الراغب الأصفهاني

75

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ماهية الإنسان وكيفية تركيبه الإنسان مركب من جسم مدرك بالبصر ، ونفس مدركه بالبصيرة ، وإليهما أشار تعالى بقوله : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ « 1 » . فالإشارة بالروح إلى النفس ، وإضافته تعالى الروح إليه تشريفا لها ، « 2 » وعنى بها النفس المذكورة في قوله تعالى : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ « 3 » ، ووجود النفس في الإنسان لا يحتاج إلى أن يدل عليه لوضوح أمره ، بل ينبه الجاحد لها « 4 » والغافل عنها بأنها هي التي بحصولها في الجسم تحصل الحياة والحركة والحس والعلم والرأي والتمييز ، ويكون الجسم متصرفا بها وحاملا ومستحسنا ومستطابا ومحببا ، وبفقدها عدم هذه الأشياء فيصير جيفة يحتاج إلى عدة تحمله « 5 » . وهي محل الأعراض الروحانية كالجسم في كونه محلا للأعراض الجسمانية ، وقد حث اللّه تعالى على التدبر في النفس والتفكر فيها ، وجعل

--> ( 1 ) ص / 71 ، 72 . ( 2 ) في أتشريفا له يعني الإنسان ، ( 3 ) الأنعام / 93 . ( 4 ) في أالجاهل بدل الجاحد لكن ما بعدها يرشح صحة ط ، د . ( 5 ) يفهم من كلام الراغب أنه سوى بين النفس والروح ، وللعلماء المسلمين كلام في هذا ، فقد أخذ بعضهم بتعريف اليونان « كمال أول لجسم آلي ذي حياة بالقوة » واعتبرها بعضهم ما كان معلولا من أوصاف العبد مذموما من أخلاقه وأفعاله سواء كان ذلك كسبيا أم خلقيا . فاعتبروا بذلك الروح أعظم من النفس ، ولذلك أطلق الجرجاني على الروح إنها الهية شريفه ، وانها الروح الأعظم الذي هو الروح الإنساني « مظهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها ، ولذلك لا يمكن أن يحوم حولها حائم ولا يروم وصلها رائم ، ولا يدرك كنهها إلا اللّه تعالي » . والراغب قد اختلف عن البعض في تعريفه لكنه لم يستقص المسألة لأن القرآن استعمل النفس بمعنى الإنسان كله قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ -